محمد بن جرير الطبري
76
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذلك قول ساعدة بن جؤيه الهذلي : فقالوا تركنا الحي قد حصروا به * فلا ريب أن قد كان ثم لحيم ويروى : " حصروا " ، و " حصروا " ، والفتح أكثر ، والكسر جائز . يعني بقوله : " حصروا به " أطافوا به ، ويعني بقوله ، " لا ريب " لا شك ، وبقوله : " أن قد كان ثم لحيم " يعني قتيلا ، يقال ، قد لحم إذا قتل . والهاء التي في " فيه " ، عائده على الكتاب ، كأنه قال : لا شك في ذلك الكتاب أنه من عند الله هدى للمتقين القول في تأويل قوله تعالى : هُدىً . حدثني أحمد بن حازم الغفاري ، قال ، حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن بيان ، عن الشعبي . هُدىً قال ، هدى من الضلالة . حدثني موسى بن هارون ، قال ، حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط بن نصر ، عن إسماعيل السدي ، في خبر ذكره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن أبن عباس ، وعن مره الهمداني ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ يقول : نور للمتقين . والهدى في هذا الموضع مصدر من قولك هدمت فلانا الطريق إذا أرشدته إليه . ودللته عليه ، وبينته له أهديه هدى وهداية . فإن قال لنا قائل : أو ما كتاب الله نورا إلا للمتقين ولا رشادا إلا للمؤمنين ؟ قيل . ذلك كما وصفه ربنا عز وجل ، ولو كان نورا لغير المتقين ، ورشادا لغير المؤمنين لم يخصص الله عز وجل المتقين بأنه لهم هدى ، بل كان يعم به جميع المنذرين ؛ ولكنه هدى للمتقين ، وشفاء لما في صدور المؤمنين ، ووقر في آذان المكذبين ، وعمى لأَبصار الجاحدين . وحجة لله بالغة على الكافرين ؛ فالمؤمن به مهتد ، والكافر به محجوج . وقوله : هُدىً يحتمل أوجها من المعاني ؛ أحدها : أن يكون نصبا لمعنى القطع من الكتاب لأَنه نكرة والكتاب معرفة ، فيكون التأويل حينئذ : ألم ذلك الكتاب هاديا للمتقين . و " ذلك " مرفوع ب " ألم " ، و " ألم " به ، و " الكتاب " نعت ل " ذلك " . وقد يحتمل أن يكون نصبا على القطع من راجع ذكر الكتاب الذي في " فيه " ، فيكون معنى ذلك حينئذ : ألم الذي لا ريب فيه هاديا . وقد يحتمل أن يكون أيضا نصبا على هذين الوجهين ، أعني على وجه القطع من الهاء التي في " فيه " ، ومن الكتاب على أن " ألم " كلام تام ، كما قال ابن عباس إن معناه : أنا الله أعلم . ثم يكون " ذلك الكتاب " خبرا مستأنفا ، ويرفع حينئذ الكتاب ب " ذلك " و " ذلك " بالكتاب ، ويكون " هدى " قطعا من الكتاب ، وعلى أن يرفع " ذلك " بالهاء العائدة عليه التي في " فيه " ، والكتاب نعت له ، والهدى قطع من الهاء التي في " فيه " . وإن جعل الهدى في موضع رفع لم يجز أن يكون " ذلك الكتاب " إلا خبرا مستأنفا و " ألم " كلاما تاما مكتفيا بنفسه إلا من وجه واحد ؛ وهو أن يرفع حينئذ " هدى " بمعنى المدح كما قال الله جل وعز : ألم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ في قراءة من قرأ " رحمة " بالرفع على المدح للآيات . والرفع في " هدى " حينئذ يجوز من ثلاثة أوجه ، أحدها : ما ذكرنا من أنه مدح مستأنف . والآخر : على أن يجعل الرافع " ذلك " ، والكتاب نعت ل " ذلك " . والثالث : أن يجعل تابعا لموضع " لا ريب فيه " ، ويكون " ذلك الكتاب " مرفوعا بالعائد في " فيه " ، فيكون كما قال تعالى ذكره : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ . وقد زعم بعض المتقدمين في العلم بالعربية من الكوفيين أن " ألم " رافع " ذلك الكتاب " بمعنى : هذه الحروف من حروف المعجم ، ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك . ثم نقض ذلك من قوله فأسرع نقضه ، وهدم ما بنى فأسرع هدمه ، فزعم أن الرفع في " هدى " من وجهين والنصب من وجهين ، وأن أحد وجهي الرفع أن يكون " الكتاب " نعتال " ذلك " ، و " الهدى " في موضع رفع خبر ل " ذلك " كأنك قلت : ذلك لا شك